ابن عطاء الله السكندري
87
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
يكشف لهم عن كمال ذاته ، ثمّ يردّهم إلى شهود صفاته ، ثمّ يرجعهم إلى التّعمّق بأسمائه ، ثمّ يردّهم إلى شهود آثاره ، والسّالكون على عكس هذا فنهاية السّالكين بداية المجذوبين ، وبداية السّالكين نهاية المجذوبين . لكن لا بمعنى واحد ، فربّما التقيا في الطّريق هذا في ترقّيه ، وهذا في تدلّيه » . شرح الحكمة : إن هذه الحكمة تشير إلى مسألة مهمة في العقيدة وهي وجوب النظر والاستدلال على المكلّف للوصول إلى الإيمان بوجود اللّه تعالى وصفاته وأسمائه ، يقول الإمام أبو بكر الباقلاني رحمه اللّه تعالى موضحا ذلك : « إن الواجب على المكلّف أن يعلم أن أول ما فرضه اللّه عزّ وجل على جميع العباد النظر في آياته والاعتبار بمقدوراته والاستدلال عليه بآثار قدرته وشواهد ربوبيته لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار ولا مشاهد بالحواس وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة والبراهين الباهرة » « 1 » . ويقول الإمام الجويني : « أجمعت الأمة على وجوب معرفة الباري واستبان بالعقل أنه لا يتأتى الوصول إلى اكتساب المعارف إلا بالنظر وما يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب » « 2 » ويقول الإمام عبد الباقي المواهبي الحنبلي : « فتجب معرفة اللّه تعالى شرعا ومما ورد في الشرع النظر في الوجود والموجود على كل مكلّف قادر وهو أول واجب للّه تعالى » « 3 » . وهذه الحكمة تبين لنا عملية النظر والاستدلال الموصلة إلى معرفة اللّه تعالى فتقول : دل ( أي اللّه تعالى ) بوجود آثاره ( أي مخلوقاته ) على وجود أسمائه ( الحسنى التسعة والتسعين التي وردت بالشرع ) وبوجود أسمائه ( أي ودل بوجود أسمائه الحسنى ) على ثبوت أوصافه ( أي اتصافه تعالى بصفات الكمال ) وبثبوت أوصافه ( أي ودل الحق تعالى باتصافه بالكمالات ) على وجود ذاته ( تعالى ) إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه ( أي بما أنه ثبت عقلا استحالة قيام الصفة بنفسها ولا بد لها من ذات تقوم بها ثبت وجود ذات اللّه تعالى التي تقوم بها الصفات العلية ) . وتفصيل شرح هذه الحكمة أن نقول : إن الأثر يدل على المؤثر ، والصنعة تدل على الصانع ، وكما قال الأعرابي : « البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير أفأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير ؟ ! » . فالآثار
--> ( 1 ) كتاب الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص 22 . ( 2 ) الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص 9 . ( 3 ) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص 29 .